الشيخ فخر الدين الطريحي
60
مجمع البحرين
إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق فلما فتح الله على نبيه مكة قال : يا محمد إنا فتحنا لك فتحا مبينا . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر عند مشركي مكة بدعائك إلى التوحيد فيما تقدم وما تأخر قوله : فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم [ 51 / 59 ] هو بفتح الذال كرسول ، أي نصيب من العذاب مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون المهلكة . وذنوب في الأصل : الدلو العظيم ، لا يقال لها ذنوب إلا وفيها ماء ، وكانوا يستقون فيها لكل واحد ذنوب ، فجعل الذنوب النصيب . ومنه حديث بول الأعرابي في المسجد : ثم أمر بذنوب من ماء فأريق عليه قوله : فاغفر لنا ذنوبنا فسرت بالكبائر وكفر عنا سيئاتنا [ 3 / 193 ] فسرت بالصغائر ، أي اجعلها مكفرة عنا بتوفيقك لاجتناب الكبائر . وفي الحديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون قيل لم يرد هذا الحديث مورد تسلية المنهمكين في الذنوب وتهوين أمرها على النفوس وقلة الاحتفال منهم بمواقعتها على ما يتوهمه أهل الغرة بالله ، فإن الأنبياء إنما بعثوا ليردعوا الناس عن الذنوب واسترسال أنفسهم فيها ، بل ورد مورد البيان لعفو الله عن المذنبين وحسن التجاوز عنهم ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار ، والمعنى المراد من الحديث : هو أن الله تعالى كما أحب أن يحسن إلى المحسن أحب أن يتجاوز عن المسئ . والذنب : الإثم ، والجمع ذنوب بضم الذال . وفيه : من طاف بالبيت خرج من ذنوبه ، ومن وقف بالمشعر خرج من ذنوبه ونحو ذلك ، ولعل الوجه في تكرر ذكر الخروج من الذنوب كما قيل تأكيد البعد عنها والتنصل عن تبعاتها ، أو لأنه يحصل بأداء كل نسك من تلك